ابن عربي

117

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

الأرواح عند ذلك السماع ، ولهذا قال عليه السلام : « وهو أشده عليّ » وكان يفنى عن نفسه ، أعني عن حسه ، ويسجى إلى أن يسرى عنه وقد وعى ما جاء به ، وللوارث حظ من ذلك . [ حديثه عن مشهد ذاتي ] وقال رضي اللّه عنه : أضاء بذات الأضا بارق * من النّور في جوّها خافق وصلصل رعد مناجاته * فأرسل مدراره الوادق يقول : لاح لي مشهد ذاتي بذات الإضاء من تهامة ، يريد بما أضاء لي مقام التواضع من الرفعة عنده فإنه من تواضع للّه رفعه اللّه ، فيظهر نور الرفعة للعارفين في عين التواضع ، وهو مقام العبودية ، ولهذا قال : في جوها خافق لما كانت تتضمنه ، وقوله : وصلصل رعد مناجاته البيت بكماله ، يقول : وخاطبها مخاطبة تعليم وتفهيم ، فكست من العلوم التي كنّى عنها بالمدرار على حسب ما اقتضاه الشهود . تنادوا : أنيخوا ، فلم يسمعوا * فصحت من الوجد : يا سائق ! ألا فانزلوا هاهنا ، وارتعوا * فإني بمن عندكم وامق لما كانت العلوم ليست مطلوبة لأنفسها ، وإنما تطلب من حيث متعلقها كان الشغف من العالم بالمتعلق لا بالعلم ، وهو الذي أراد بقوله : بمن عندكم يخاطب العلوم فإنّ عندها متعلقها ، أي بكم أصل إليه ، وقوله : تنادوا أنيخوا ؛ أي اثبتوا هاهنا عند من يطلبكم ويتعشق بكم ، إذ ليس كل قلب يطلب هذه العلوم فكأنه مثل الناصح لها ، أي انزلوا في محل من يهواكم ويفرح بقدومكم فتحظون وترفعون ، يريد تبقون عنده ، ألا ترى إلى العلوم التي تعطي الأعمال إذا كان صاحبها تاركا للعمل يمقته علمه ، ويتمنى أنه لم يكن عنده ، فإنّ حياة ذلك العلم إنما هو العمل فكأنه حصل عند من ليس له بأهل كما ورد « لا تعطوا الحكمة غير أهلها فتظلموها » « 1 » فقد نسب الظلم لمن جعل الشيء في غير أهله ، وجعل ذلك الشيء مظلوما . بهيفاء غيداء رعبوبة * فؤاد الشّجيّ لها تائق يفوح الندى لدى ذكرها * فكلّ لسان بها ناطق يقول : متعلق هذا العلم صفة إذا تجلت في عالم التمثل كانت معتدلة الخلق مائلة لمن يهواها طرية الحسن تتوق إليها الأفئدة التي نار الاصطلام تطلع عليها ، ومهما

--> ( 1 ) سبق تخريجه .